تواجه أهوار العراق، التي طالما ارتبطت بأسطورة «جنة عدن» ، والتي تغطي مساحة تُقدَّر بنحو 2 إلى 4 آلاف كيلومتر مربع، خطرًا بالغًا اليوم . فهذه الأراضي الرطبة ذات الأهمية البيئية والثقافية الكبيرة ، المُدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، تتعرّض لضغوط بيئية شديدة ناجمة عن مجموعة واسعة من العوامل، تشمل أسوأ موجة جفاف شهدها البلد منذ قرن، وبناء السدود في أعالي الأنهار، والاستهلاك المفرط للمياه، وموجات الحر الشديدة والمطوّلة، بالإضافة إلى التلوّث الناجم عن مياه الصرف الصحي غير المعالجة.
ومع ذلك، فإنّ أحد العوامل التي تؤدّي دوراً أساسياً في استعادة هذا المشهد الطبيعي هو الطبيعة نفسها. ففي محافظة ذي قار جنوب العراق، يعمل برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنظمة الدولية للهجرة مع السلطات المحلية المعنية بإدارة مياه الصرف الصحي ووزارة الموارد المائية على تنفيذ مشروع رائد لأراضٍ رطبة مُصطنعة على مساحة خمسة هكتارات (20 دونم).
ويقع المشروع ضمن النظام البيئي لهور أبو زرك، وهو جزء لا يتجزأ من الأهوار العراقية، حيث تتمّ معالجة مياه الصرف الصحي من خلال نهج لا يقتصر على الحدّ من مسبّبات الأمراض المنقولة بالمياه فحسب، بل يُحسّن أيضاً جودة المياه ويسهم في استعادة الطبيعة في هذه المنطقة المتأثرة بشدة بالحرارة.
تشتدّ الحاجة إلى تحسين الوضع البيئي. تُعدّ محافظة ذي قار أكثر محافظات العراق تضرّراً جراء النزوح الناجم عن تغيّر المناخ، الذي يصل الى نحو نصف إجمالي النازحين على مستوى البلاد. وحتى أيلول/سبتمبر 2025، نزح أكثر من 85,500 شخص داخل المحافظة بسبب تدهور الأراضي، وندرة المياه، وارتفاع ملوحة الأنهار — وهي آثار عطّلت بشدة سبل العيش التي تعتمد على الزراعة وتربية الماشية.
لقد أدى التدهور البيئي أيضاً إلى تقويض أساليب الحياة المعهودة طوال قرون. فقد اعتمدت المجتمعات هنا على الأهوار عبر الأجيال لصيد الأسماك، ورعي جاموس الماء، وحصاد القصب، والزراعة الموسمية. ترتكز هذه الممارسات على المعرفة التقليدية للشعوب الأصلية، التي تم تطويرها من خلال مراقبة دقيقة للدورات المائية والغطاء النباتي والإيقاعات الموسمية. ومع تدهور الأنظمة المائية، يصبح بقاء هذه المعرفة التقليدية مهدداً، ويتأثر التماسك الاجتماعي، ويزداد احتمال النزوح.
يساعد مشروع الأراضي الرطبة المُصطنعة على التخفيف من هذه التحديات ويستفيد من خدماته أكثر من 30 ألف شخص في مدينة الإصلاح، وهو يقدّم حلاً عملياً ومستداماً لمعالجة المياه الملوّثة واستعادة الأراضي الرطبة التي جفّت. وبينما تمنع القيود الحكومية الحالية استخدام المياه محلياً بسبب أزمة الجفاف القاسية، يتطلّع المزارعون إلى استخدام المياه المعالجة للزراعة بمجرد رفع هذه القيود.
في السابق، كانت مياه الصرف الصحي غير المعالجة من مدينة الإصلاح المجاورة تتدفّق عبر قناة مفتوحة وتنتشر في هورأبو زرك الجاف. منذ حزيران/يونيو 2025، وبموجب هذه المبادرة، تم إعادة توجيه تدفّق المياه العادمة بالكامل عبر خط أنابيب إلى أحواض ترابية داخل الأهوار، حيث يدعم حوض من القصب الكثيف معالجة المياه. تقوم هذه النباتات بتأمين سطوح لنموتكتلات ميكروبية كثيفة وواسعة وإزالة وتحليل الملوّثات من خلال عمليات فيزيائية وبيولوجية وكيميائية. وتُعدّ هذه الابتكارات الطبيعية، التي تم استخدامها في مناطق أخرى من العالم، مناسبة جدًا للبيئات الحارة والجافة، ما يجعلها مفيدة في هذه المنطقة بشكل خاص.
قال عون ذياب عبد الله، وزير الموارد المائية في العراق:"يعكس مشروع الأهوار المُصطنعة في مدينة الإصلاح سعي العراق لاعتماد حلول مستدامة وطموحة للمستقبل، من خلال توظيف تقنيات حديثة قائمة على الطبيعة لمعالجة مياه الصرف الصحي وتحسين جودة المياه. ويسهم المشروع في تعزيز الإدارة المسؤولة للموارد المائية ويعزّز قدرة البلاد على التكيّف مع تغيّر المناخ وتزايد الضغوط المائية."
تعمل الأحواض المُصطنعة وفق نظام معالجة متعدّد المراحل لمعالجة مياه الصرف الصحي. أولًا، هناك أحواض للترسيب، حيث تترسّب المواد الصلبة الثقيلة بفعل الجاذبية في القاع، ممّا يسمح بتدفّق مياه أنقى إلى حوض القصب التالي. في هذه المرحلة المحورية، تحلّل الطبقة الميكروبية التي تنمو على سطوح القصب و جذوره المواد العضوية، وتزيل المغذيات، وتقلّل العوامل الممرضة من بكتيريا وكائنات دقيقة والمعادن الثقيلة. ثم تتدفّق المياه المعالجة خارج وحدة المعالجة إلى المجاري المائية الطبيعية.
تُظهر اختبارات جودة المياه الأولية نتائج ايجابية. فقد تم تحقيق خفض كبير في المواد العضوية، كما انخفضت تركيزات النيتروجين والفوسفور، إضافة إلى مسببات الأمراض الميكروبية. وتمت أيضًا استعادة الأكسجين المذاب، مما ساعد على عودة الحياة البرية إلى المناطق الرطبة، بما في ذلك الطيور والسلاحف واليَعاسيب والضفادع والأسماك، وحتى الخنازير البرية.
على الرغم من نطاقه الصغير نسبياً، يقدّم هذا النظام المتعدّد الوظائف نموذجاً واضحاً لحلول فعّالة من حيث التكلفة وقائمة على الطبيعة، تسهم بشكل متكامل في تحقيق أهداف المناخ والطبيعة والحد من التلوّث. كما تبرز كيف يمكن تنفيذ الأهداف العالمية — مثل تلك الواردة في اتفاقية رامسار بشأن الأراضي الرطبة وإطار كونمينغ–مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر — على المستوى المحلي، مع إمكانات كبيرة للتكرار والتوسّع.
قالت سوزان غاردنر، مديرة قسم النظم البيئية في برنامج الأمم المتحدة للبيئة:
"يُظهر مشروع الأراضي الرطبة المُصطنعة هذا كيف يمكن للطبيعة أن تدعم الإنسان. فالحلول القائمة على الطبيعة نظيفة، وغالباً ما تكون أكثر كفاءة وأقل كلفة من البنية التحتية التقليدية، كما توفّر حلولًا أساسية للتنمية المستدامة والسلام والبيئة."
تعرّفوا أكثر على كيفية رصد الأراضي الرطبة حول العالم من خلال «المرصد العالمي للأراضي الرطبة» التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، الذي يجري تطويره لوضع خارطة عالمية للأراضي الرطبة ومراقبتها بدقة عالية في جميع البلدان، مع إتاحة معلومات عبر خريطة قصصية تفاعلية ومعاينة لمشاهد المرصد العالمي للأراضي الرطبة.
يُحتفل باليوم العالمي للأراضي الرطبة سنويًا في 2 شباط/فبراير لرفع الوعي العالمي بدور الأراضي الرطبة الأساسية، وإحياء ذكرى اعتماد اتفاقية رامسار بشأن الأراضي الرطبة عام 1971. ويحمل شعار عام 2026: "الأراضي الرطبة والمعرفة التقليدية: الاحتفاء بالتراث الثقافي".


