عندما بدأت الأميرة بسمة بنت علي في الأردن بتأسيس أول حديقة نباتية في البلاد في منتصف القرن العشرين، شعر رعاة الأغنام والماعز المحليين بالقلق. فقد خشيوا أن تؤثر هذه المحمية، الواقعة على مشارف العاصمة عمّان، على مناطق الرعي التقليدية التي يعتمدون عليها، وبالتالي على سبل عيشهم.
وبعد عقدين من الزمن، تبيّن أن الواقع كان مختلفاً تماماً. حيث استفادت المجتمعات المحلية من الجهود الرامية إلى إعادة اصلاح المراعي المحيطة بالحديقة النباتية، التي تمتد على مساحة 180 هكتاراً، والتي عانت لفترة طويلة من الرعي الجائر.
وقال جميل مسلّم المگاردبي، وهو راعٍ من إحدى القرى المجاورة: "بعد إنشاء الحديقة وتسييجها وتوفير الحماية الخاصة لها، أخذ الغطاء النباتي يزداد عاماً بعد عام. وفي فصل الصيف، بدأنا نجد فيها مراعي جيدة، وأصبح بإمكاننا الرعي لفترات أطول."
كان التعاون عاملاً أساسياً في نجاح مبادرة إعادة تأهيل المراعي القائمة على المجتمعات المحلية، وهي جهد يهدف إلى إعادة إصلاح الحديقة النباتية الملكية وتطبيق الدروس المستفادة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
وقد صنّفت الأمم المتحدة هذه المبادرة باعتبارها إحدى النماذج العالمية الرائدة لإصلاح الأراضي، وهو تكريم يُمنح للنماذج المتميزة في إعادة إحياء النظم الإيكولوجية المتدهورة.
وقالت ناتاليا أليكسييفا من برنامج الأمم المتحدة للبيئة: "لم تقتصر إنجازات الحديقة النباتية الملكية وجيرانها على تجنب نزاع محتمل فحسب، بل نجحت أيضاً في تحويل المراعي المتدهورة إلى مورد مستدام، بما يحقق مكاسب مشتركة للإنسان والطبيعة."
ويؤكد الخبراء مدى أهمية هذا النوع من المبادرات في الأردن والمنطقة الأوسع. فإن غربي آسيا من أكثر مناطق العالم ندرةً في المياه والأراضي الصالحة للاستخدام. وعلى مدى عقود، عانت المنطقة من الجفاف والتصحر، مما أدى إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، وفقدان التنوع البيولوجي، والهجرة القسرية.
وقد أُنشئت الحديقة النباتية الملكية بمبادرة من الأميرة بسمة بنت علي في منطقة تل الرمان، وهي منطقة جبلية حرجية تقع شمال عمّان. وإلى جانب إنشاء بنك للبذور، ومشاتل للنباتات، ومركز للزوار، عمل القائمون على المشروع على إعادة إصلاح الموقع البالغة مساحته 180 هكتاراً، والذي كان قد تدهور بشدة نتيجة الرعي الجائر.
وبالتشاور مع المجتمعات المحلية، تم وقف الرعي في الموقع عام 2008 لمدة ثلاث سنوات، ما أتاح للخبراء مراقبة تعافي الغطاء النباتي وتحديد الكميات المناسبة من الرعي التي يمكن السماح بها مستقبلاً.
ونتيجة لذلك، ارتفع إنتاج الكتلة الحيوية – أي الوزن الإجمالي للغطاء النباتي – بنحو 30 في المئة سنوياً خلال السنوات الثلاث الأولى، واستمر في الزيادة ليصل إلى ما يُقدَّر بنحو 250 طناً في عام 2024.
وللتخفيف من أثر هذا الإجراء على الرعاة، وفّرت الحديقة النباتية الملكية في البداية أعلافاً للماشية. إلا أن الحيوانات عادت لاحقاً إلى المنطقة ضمن خطط للرعي الدوري. وبات بإمكان الرعاة المحليين إدخال مواشيهم إلى المنطقة المستعادة لمدة تصل إلى 120 يوماً خلال فصلي الصيف والخريف، عندما تتراجع موارد الرعي في المناطق الأخرى.
وفي المقابل، يؤكد الرعاة أنهم يساهمون في حماية الموقع من المتسللين، من خلال منع الرعي غير القانوني وقطع الأشجار.
وقال مصطفى الشديفات، مدير البرامج والمشاريع في الحديقة النباتية الملكية: "إنها مقاربة متكاملة تهدف إلى الحفاظ على إنتاجية المراعي بمستوى عالٍ، مع تعزيز التنوع البيولوجي فيها."
Refloweri
إعادة إزهار المراعي
تُظهر الدراسات السنوية للغطاء النباتي في الموقع أن نظام الرعي المستدام قد مكّن عدد الأنواع النباتية البرية المحلية من الارتفاع مجدداً من 436 نوعاً في عام 2006 إلى أكثر من 600 نوع، من بينها 22 نوعاً مهدداً بالانقراض.
وقال فايز أبو جرار، الذي يرعى عدة مئات من الأغنام في المنطقة: "هناك نباتات لم نكن معتادين على رؤيتها، لكن في الفترة الأخيرة أصبحت موجودة بوفرة." وذكر الزعتر والنرجس والسوسنة السوداء – الزهرة الوطنية المستوطنة والمهددة بالانقراض في الأردن – من بين النباتات التي عادت إلى التلال.
فوائد للمجتمعات المحلية
ولزيادة دخل الأسر والحد من الضغوط على المراعي المحلية، عمل خبراء الحديقة النباتية الملكية بالتعاون مع المجتمعات المحلية على تحسين إدارة القطعان. فعلى سبيل المثال، حقق الرعاة الذين يعزلون الخرفان عن النعاج لمدة شهر قبل موسم التكاثر معدلات حمل أعلى.
كما قامت المبادرة بتدريب مساعدين اثنين في مجال الصحة البيطرية وتنفيذ برامج لتطعيم الماشية.
وتوفر المبادرة أيضاً تدريبات على أنشطة بديلة مدرّة للدخل، تشمل إنتاج الألبان، وزراعة الفطر، وتربية النحل، وورشاً للحرف اليدوية مخصصة للنساء في المجتمعات المحلية. كما وجد العديد من السكان فرص عمل داخل الحديقة النباتية الملكية.
وبفضل الفرص التي أتاحتها المبادرة، ارتفع عدد الأسر المحلية المشاركة فيها من خمس أسر عند انطلاقها إلى أكثر من 50 أسرة اليوم.
وقال أبو جرار: "البرنامج جيد، ونحن نلتزم به ونستفيد منه."
.
إلى جانب زيادة التوعية بمدى بأهمية الإدارة المستدامة للبيئة، تؤكد الحديقة النباتية الملكية أنها شاركت الخبرات والدروس المستفادة من هذا المشروع مع مبادرات أخرى للحفاظ على المراعي المجتمعية في مناطق مختلفة من الأردن والمنطقة، بما في ذلك مصر والمملكة العربية السعودية.
كما نشرت الحديقة النباتية الملكية مجموعة متنوعة من الأوراق العلمية والمواد التثقيفية، مثل الملصقات والكتيبات ومقاطع الفيديو، وشارك أعضاء فريقها في عرض البرنامج خلال مؤتمرات وفعاليات علمية داخل الأردن وخارجه.
أشارت الأميرة بسمة بنت علي إلى أن النموذج المجتمعي الذي تتبعه الحديقة النباتية الملكية يمكن أن يشكل "موقعاً نموذجياً" يُحتذى به في جهود إعادة الإصلاح في أماكن أخرى.
وأضافت أن المراعي التي أُعيد إصلاحها "تزخر بالوفرة والقدرة على الصمود"، مؤكدةً أن "هناك الكثير من الأمل بالمستقبل."
نبذة عن اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف
يُحتفل باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف سنوياً في 17 حزيران/يونيو. وقد خصصت الأمم المتحدة هذا اليوم لزيادة الوعي بالتحديات العالمية المرتبطة بتدهور الأراضي، وتعزيز الحلول المستدامة لإعادة إصلاح النظم الإيكولوجية وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الجفاف.
ويُعد هذا اليوم فرصة للتذكير بالتزامات الدول يتحييد أثر تدهور الأراضي، وهو إطار عالمي معتمد يهدف إلى تحقيق التوازن بين تأثيرات الأنشطة البشرية على الأراضي وقدرة الطبيعة على التجدد. ويضمن هذا النهج الحفاظ على المساحة الإجمالية للأراضي السليمة والمنتجة أو زيادتها، من خلال موازنة أي تدهور لا يمكن تجنبه عبر استعادة مساحة مماثلة في مكان آخر.
نبذة عن النماذج العالمية الرائدة لإصلاح الأراضي
لقد تعهّدت الدول بالفعل باستعادة مليار هكتار من الأراضي وهي مساحة تفوق مساحة الصين، في إطار التزاماتها باتفاق باريس للمناخ، وأهداف أيتشي للتنوع البيولوجي، وأهداف حياد تدهور الأراضي، وتحدي بون. ومع ذلك، لا تتوافر معلومات كافية حول مدى التقدم المحرز أو جودة هذه الجهود. من خلال النماذج العالمية الرائدة لإصلاح الأراضي، يكرّم عقد الأمم المتحدة لاستعادة النظم الإيكولوجية أفضل النماذج في إطار استعادة الأراضي على نطاق واسع وطويل الأمد في أي بلد أو منطقة، والتي تجسّد مبادئ الاستعادة العشرة لعقد الأمم المتحدة. وسيجري تتبّع التقدم الذي تحققه جميع هذه المشاريع بشفافية من خلال الإطار الخاص برصد استعادة النظم الإيكولوجية، وهو المنصة المخصصة للعقد لمتابعة الجهود العالمية في مجال استعادة النظم الإيكولوجية.


