تواجه الدول الجزرية الصغيرة النامية بعضًا من أشد تداعيات الأزمات البيئية الثلاث التي يواجهها الكوكب، المتمثلة في تغيّر المناخ وفقدان الطبيعة والتنوع البيولوجي والتلوث والنفايات، بدءاً من ارتفاع مستوى البحار وصولاً إلى اختفاء الغابات.
ومع ذلك، يقاوم العديد من هذه الدول هذه التداعيات. كما أطلقت أكثر من 30 دولة جزرية بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، جهودًا طموحة لحماية الأنظمة البيئية، والحد من التلوث، والتكيف مع المناخ المتغير بسرعة، وذلك بالتوازي مع تحفيز اقتصاداتها.
وقالت سينيكينيش جيما، الرئيسة المؤقتة لقسم المياه البحرية والعذبة في برنامج الأمم المتحدة للبيئة: "في برنامج الأمم المتحدة للبيئة، لا نكتفي بدعم الدول الجزرية الصغيرة النامية وحسب، بل نقف إلى جانبها لرسم طريق واعد يكون فيه النمو الاقتصادي مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالمرونة البيئية." وأضافت: "معًا، نبني مستقبلًا يراعي احتياجات الحاضر ويحمي التنوع البيولوجي وخدمات الأنظمة الإيكولوجية الأساسية للأجيال القادمة."
إن العلاقة بين برنامج الأمم المتحدة للبيئة والدول الجزرية الصغيرة النامية هي علاقة متبادلة؛ إذ تساهم 20 دولة من هذه الدول في صندوق البيئة التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وهو المصدر الأساسي لتمويل البرنامج.
في العام الماضي، اعتمد العالم أجندة أنتيغوا وبربودا للدول الجزرية الصغيرة النامية، التي ترسم مسارًا نحو تنمية مستدامة وقادرة على الصمود.
فيما يلي خمس طرق يساهم من خلالها برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تحويل أهداف الأجندة العالمية إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع.
1 - استعادة الأنظمة الإيكولوجية الحيوية
تحتضن الدول الجزرية الصغيرة النامية بعضًا من أجمل المناطق الطبيعية في العالم، بدءاً من الغابات المطيرة الاستوائية وأشجار المانغروف المتشابكة وصولاً إلى الشواطئ الرملية البيضاء والشعاب المرجانية متعددة الألوان.
ومع ذلك، فإن فقدان التنوع البيولوجي المتسارع في هذه الدول يؤدي إلى تفكك الأنظمة الإيكولوجية، مما يجعل المجتمعات أكثر عرضة لتغير المناخ، وعدم الاستقرار الاقتصادي، وتفشي الأوبئة.
لكن هناك العديد من المشاريع، التي يقودها برنامج الأمم المتحدة للبيئة وشركائه، تهدف إلى عكس مجرى ذلك واستعادة سلامة الأنظمة البيئية.
في ولايات ميكرونيزيا الموحدة وجزر مارشال، تعمل المجتمعات المحلية مع الشركاء على إعادة إحياء مستعمرات الطيور البحرية. وتنتج هذه الطيور مغذيات تدعم صحة الغطاء النباتي الأصلي، مما يساعد على حماية الجزر من ارتفاع مستوى سطح البحر.
وفي الوقت نفسه، تشهد سانت لوسيا جهودًا لإدارة مستدامة لـ 5 آلاف هكتار من الأنظمة الإيكولوجية للغابات والسواحل، و2,000 هكتار من الأنظمة الإيكولوجية البحرية، مع مبادرات مماثلة في جزر البهاما وسانت كيتس ونيفيس.
يُتوقع أن يُسهم مشروع الدول الجزرية الصغيرة الرائد لاستعادة النظم الإيكولوجية، الذي يقوده برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، في جزر القمر وسانت لوسيا وفانواتو، في استعادة النظم الإيكولوجية البحرية والساحلية، مع تعزيز النمو الاقتصادي الأزرق المستدام.
وكجزء من هذا المشروع الرائد، ستُطلق قريبًا "مصنع الاستعادة"، الذي سيساعد رواد الأعمال المحليين الشباب على تطوير مشاريع تجارية قائمة على استعادة الأنظمة البيئية.
2- حماية الشعاب المرجانية
تُعد الشعاب المرجانية أساس العديد من الأنظمة الإيكولوجية البحرية، لكنها تختفي بمعدلات تثير القلق؛ إذ يمكن أن يؤدي تغير المناخ إلى القضاء على 90% منها بحلول عام 2050.
ورغم أن الدول الجزرية الصغيرة النامية تشكل أقل من 1% من مساحة اليابسة على كوكب الأرض، إلا أنها تحتضن ما يقرب من 30% من الشعاب المرجانية في العالم، مما يجعل حمايتها أمرًا ضرورياً للحفاظ على التنوع البيولوجي العالمي.
خصّص الصندوق العالمي للشعاب المرجانية، الذي يدعم الأعمال التجارية الصديقة للشعاب المرجانية والآليات المالية المستدامة، أكثر من 100 مليون دولار أميركي لحماية وتقليل الضغوط على 1.3 مليون هكتار من الشعاب المرجانية حول العالم، في دول مثل جزر البهاما، ولايات ميكرونيزيا الموحدة، وفيجي، والمالديف، والسيشيل، وبالاو، وبابوا غينيا الجديدة.
يتوقع أن تحصل جزر السيشيل وجزر سليمان قريبًا على دعم من الصندوق، الذي يمول مجموعة واسعة من المبادرات، بدءًا من تربية أسماك الباراموندي في سريلانكا وصولًا إلى تعزيز السياحة البيئية في ولايات ميكرونيزيا الموحدة.
3- تعزيز أنظمة الإنذار المبكر
عند اقتراب العواصف الكبرى من دولة تيمور الشرقية، تقوم شبكة من الرادارات وأجهزة الاستشعار البحرية بتوقع مسارها، بينما تُرسل التحذيرات إلى المواطنين عبر مكبرات الصوت، واللافتات، ووسائل التواصل الاجتماعي، والإذاعة، والتنبيهات التي تُرسل عبر الهواتف المحمولة.
تُعد هذه المبادرة واحدة من عدة أنظمة إنذار مبكر للحد من الكوارث الطبيعية، وقد تم تطويرها بدعم من برنامج الأمم المتحدة للبيئة في الدول الجزرية الصغيرة النامية. ويأتي هذا الجهد ضمن إطار مبادرة "الإنذار المبكر للجميع" التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة، والتي تهدف إلى تزويد جميع سكان الأرض بأنظمة إنذار مبكر بحلول عام 2027.
يُعد بناء الثقة العامة في أنظمة الإنذار جزءًا أساسيًا من عمل برنامج الأمم المتحدة للبيئة. ففي فانواتو، على سبيل المثال، تساهم المجتمعات المحلية في تحسين التنبؤات من خلال دمج المعارف التقليدية والملاحظات الفورية مع القياسات العلمية.
4- الحد من التلوث:
نظرًا لمحدودية الأراضي وارتفاع تكاليف إدارة النفايات – التي تُعد من الأعلى على مستوى العالم – تواجه الدول الجزرية الصغيرة النامية تحديات كبيرة في التعامل مع نفاياتها الخاصة. ومع ذلك، تُجبر أيضًا على إدارة نفايات تأتي من مناطق أخرى حول العالم، حيث تأتي التيارات البحرية والرياح التجارية بكميات هائلة من النفايات البحرية، معظمها من التلوث البلاستيكي، إلى سواحلها.
لمواجهة هذه المشكلة، يعمل برنامج الأمم المتحدة للبيئة بشكل وثيق مع الدول الجزرية لمعالجة أزمة التلوث من خلال عدة محاور. ويشمل ذلك الحد من المنتجات البلاستيكية التي تستخدم لمرة واحدة في قطاع السياحة عبر مبادرة السياحة العالمية للحد من استخدام البلاستيك، وتحويل إدارة المخلفات البلدية من خلال نماذج الاقتصاد الدائري، وتحسين إدارة النفايات والمواد الكيميائية، ودعم إعداد خطط وطنية قوية لإدارة النفايات.
5- الازدهار بالتوافق مع الطبيعة
تمتلك العديد من الدول الجزرية الصغيرة النامية مقومات اقتصادات قوية ومستدامة، تشمل السياحة وصيد الأسماك والزراعة. إلا أن هذه القطاعات تعتمد على أنظمة بيئية نظيفة وسليمة وقادرة على الصمود.
بدعم من برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تُولي هذه الدول أولوية لتقليل الملوثات الفائقة، بما في ذلك الميثان والكربون الأسود، بهدف تحسين جودة الهواء المحلي.
في فيجي وجزر سليمان وفانواتو، حصل برنامج الأمم المتحدة للبيئة على تمويل بقيمة 4.4 مليون دولار أميركي من مرفق البيئة العالمية لتوسيع نطاق النقل العام الكهربائي ووضع خطط مستدامة للتنقل الحضري.
وفي الوقت نفسه، يخصص إطار التحول نحو الاقتصاد الأزرق المستدام، الذي طوره برنامج الأمم المتحدة للبيئة، مبلغًا قدره 75.6 مليون دولار أميركي بهدف تحقيق نمو اقتصادي صديق للمحيطات في الدول الجزرية الصغيرة النامية.
يعمل برنامج الأمم المتحدة للبيئة أيضًا على تعزيز قدرات الدول في مجال الحوكمة البحرية، بما في ذلك دعم التصديق على اتفاقية حفظ التنوع البیولوجي البحري في المناطق الواقعة خارج حدود الولایة الوطنیة واستغلالھا على نحو مستدام. تُعزّز هذه الاتفاقية، التي تندرج تحت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، حفظ التنوع البيولوجي البحري واستخدامه المستدام في المياه الدولية، مما يعود بالفائدة على اقتصادات الدول الجزرية الصغيرة النامية.
في هذا الإطار، قالت جيما: "نعمل معًا لضمان امتلاك الدول الجزرية الصغيرة النامية –وهي دول محيطية كبرى– ما تحتاجه من علوم وأدوات وشراكات ودعم سياسي لمواصلة ريادتها في العمل البيئي."
###
يتاح عمل برنامج الأمم المتحدة للبيئة بفضل المساهمات المرنة من الدول الأعضاء وشركاء آخرين في صندوق البيئة، بالإضافة إلى صناديق المناخ والطبيعة والتلوث التابعة للبرنامج. اكتشفوا كيف يمكنكم دعم برنامج الأمم المتحدة للبيئة للاستثمار في الإنسان والكوكب. من بين الجهات المشاركة في تمويل برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2024، عشرين دولة من الدول الجزرية الصغيرة النامية، وهي: جزر البهاما، بربادوس، بليز، كابو فيردي، دومينيكا، الجمهورية الدومينيكية، ولايات ميكرونيزيا الموحدة، فيجي، غرينادا، غيانا، جامايكا، جزر المالديف، موريشيوس، ناورو، بالاو، سانت كيتس ونيفس، سانت لوسيا، ترينيداد وتوباغو، وفانواتو.


