Credit:  Timothy K / Unsplash
24 Jul 2026 Story Nature Action

غابات المانغروف تستعيد عافيتها... إليكم أبرز العوامل التي أسهمت في ذلك:

Credit: Timothy K / Unsplash

على مدى عقود، اعتُبرت غابات المانغروف من أسرع النظم الإيكولوجية اختفاءً في العالم، نتيجة الضغوط الناجمة عن التنمية الساحلية، والاستغلال المفرط، وتربية الأحياء المائية، والزراعة، والتلوث، وتغير المناخ.

غير أن دراسة عالمية نُشرت مؤخرًا في مجلة Science” تقدم واحدة من أكثر قصص الحفاظ على الطبيعة تفاؤلًا في السنوات الأخيرة. فقد استخدم الباحثون صور الأقمار الاصطناعية الممتدة من ثمانينيات القرن الماضي حتى عام 2023 لتتبع التغيرات السنوية في مساحة غابات المانغروف وكثافة غطائها النباتي. وأظهرت النتائج أن معدلات فقدان هذه الغابات على المستوى العالمي تباطأت بشكل كبير، في حين ازدادت معدلات استعادتها.

ويبدو أن التجدد الطبيعي والتوسع في انتشار غابات المانغروف باتا يعوضان جانبًا كبيرًا من التراجع التاريخي، مما يشير إلى أن هذه النظم الإيكولوجية أكثر قدرة على الصمود مما كان يُعتقد سابقًا.

وتعزز هذه النتائج ما خلص إليه تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2023، عقد من التغير في غابات المانغروف، الذي أشار إلى أن خسائر غابات المانغروف عالميًا قد استقرت إلى حد كبير، وأن هذه الغابات تشهد توسعًا في العديد من الأنهار الرئيسة ومصباتها والدلتا حول العالم.

وقالت سينيكينيش بييني جيما، رئيسة وحدة النظم الإيكولوجية البحرية والساحلية في برنامج الأمم المتحدة للبيئة: "تمثل هذه النتائج أخبارًا مشجعة لجهود اعادة الاصلاح وحفظ الطبيعة عالميًا، في وقت نحتاج فيه جميعًا إلى بارقة أمل. لكن من المهم أن نتذكر أن هناك تهديدات، مثل التلوث وفقدان التنوع البيولوجي، لا يمكن لصور الأقمار الاصطناعية أن تكشف عنها."

وتُعد غابات المانغروف نظمًا إيكولوجية فريدة تمتد على طول السواحل ومصبات الأنهار في المناطق المدارية وشبه المدارية. ورغم أنها لا تشكل سوى أقل من  في المئة من الغابات الاستوائية في العالم، فإنها تمثل شريان حياة لما يُقدَّر بنحو 2.4  مليار شخص يعيشون على بُعد 100 كيلومتر من السواحل، إذ تحمي الشواطئ من العواصف والتآكل والفيضانات، وتنقّي المياه، وتخزن كميات كبيرة من الكربون، وتدعم مصايد الأسماك. كما يعتمد عليها أكثر من  1,500 نوع بوصفها موطنًا لها.

وأضافت بييني جيما: "من الصعب المبالغة في وصف الدور الذي تؤديه هذه الغابات في حياة المجتمعات الساحلية. ولهذا نولي أهمية كبيرة لجهود الحفظ القائمة على الأدلة العلمية."

وتماشيًا مع إطار كونمينغ–مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي، يدعو برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى اعادة اصلاح 30 في المئة من النظم الإيكولوجية البحرية والساحلية المتدهورة، وحماية وإدارة ما لا يقل عن 30  في المئة من المحيطات على نحو أفضل.

وفي مختلف أنحاء العالم، يدعم برنامج الأمم المتحدة للبيئة وشركاؤه مشاريع تستند إلى أحدث المعارف العلمية والخبرات المحلية لمساندة المجتمعات المحلية في جهودها الرامية إلى اعادة اصلاح غابات المانغروف والحفاظ عليها.

إرساء الأسس لإعادة اصلاح النظم الإيكولوجية على المدى الطويل

في منطقة لامو البحرية في كينيا، وضع المعهد الكيني لبحوث البحار ومصايد الأسماك (KMFRI)، بدعم من برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، الأسس العلمية لجهود اعادة الاصلاح واسعة النطاق، وذلك من خلال رسم خرائط للنظم الإيكولوجية لغابات المانغروف والأعشاب البحرية، وإعداد بيانات بيئية مرجعية تُسهم في توجيه جهود الحفظ مستقبلًا.

كما درّب المشروع 50 فردًا من أفراد المجتمع المحلي على تقييم الكربون الأزرق وإعادة اصلاح النظم الإيكولوجية، ووضع أدلة فنية لاعادة اصلاح غابات المانغروف والتعرف على أنواعها، ودعم إعداد المبادئ التوجيهية الوطنية لعمليات اعادة الاصلاح.

واستنادًا إلى هذه الجهود، يدير مشروع "غو باو"  Go Blue))، الممول من الاتحاد الأوروبي، مبادرة أوسع للكربون الأزرق تشمل إدارة ما يقرب من 5 آلاف هكتار من غابات المانغروف، من خلال اعادة اصلاح الغابات، ومنع إزالة الغابات، وتحسين إدارتها. كما أسهم المشروع في تعزيز الجهود الرامية إلى تطوير آليات مستدامة لتمويل الكربون الأزرق.

تمكين المجتمعات المحلية من اعادة اصلاح الغابات المتدهورة

في محمية أسماك القرش المطرقة في غولفو دولسي بكوستاريكا، نجحت منظمة  Misión Tiburón، بدعم من برنامج الأمم المتحدة للبيئة  والمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، في استعادة 68 هكتاراً من غابات المانغروف المتدهورة.

وشارك أفراد المجتمع المحلي في إنشاء مشاتل للمانغروف، وجمع وزراعة أكثر من 12  ألف شتلة من الأنواع المحلية، وإنشاء مواقع دائمة للرصد لمتابعة تعافي النظام الإيكولوجي.

كما درّب المشروع حرّاس المحميات والسكان المحليين، ووفّر فرص عمل مؤقتة لمجتمعات الصيد، ووصل إلى أكثر من 1,500 طالب من خلال برامج التوعية البيئية. وأظهرت عمليات الرصد المبكرة أن متوسط معدل بقاء الشتلات على قيد الحياة تجاوز 80 في المئة، مما يؤكد فعالية جهود اعادة الاصلاح التي تقودها المجتمعات المحلية.

جعل الحفاظ على الطبيعة يعود بالنفع على الإنسان والطبيعة معًا

في محمية دلتا مونو للمحيط الحيوي في بنن، يجمع برنامج المنح الصغيرة التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، الذي يُنفَّذ بالشراكة مع الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة – هولندا (IUCN NL) ومنظمة "إيكو-بنن" (Eco-Benin) ، بين اعادة اصلاح النظم الإيكولوجية، وإشراك المجتمعات المحلية في إدارتها، والحوكمة التقليدية، وسبل العيش المستدامة.

وبدلًا من الاعتماد على زراعة الأشجار وحدها، ركّز المشروع على استعادة التدفقات الطبيعية للمياه من خلال إنشاء أكثر من 3.6 كيلومتر من قنوات الاستعادة، مما أتاح لغابات المانغروف أن تتجدد طبيعيًا. كما خصصت المجتمعات المحلية مناطق جديدة من غابات المانغروف بوصفها مناطق مقدسة تخضع لأنظمة الحوكمة التقليدية، فيما تلقت النساء تدريبًا على إنتاج الملح باستخدام الطاقة الشمسية، للحد من الاعتماد على أخشاب المانغروف.

واستنادًا إلى المعارف التقليدية، أسهمت المبادرة في حماية أكثر من 530  هكتاراً من غابات المانغروف. وإلى جانب جهود إعادة الاصلاح، يعمل المشروع على تطوير آليات لتمويل الكربون الأزرق يمكن أن توفر دخلًا مستدامًا طويل الأجل لدعم جهود حفظ الطبيعة، مع تعزيز سبل عيش المجتمعات المحلية.

توسيع نطاق إعادة الاصلاح من خلال التعاون الإقليمي

يجمع مشروع تنفيذ برنامج العمل الاستراتيجي لبحر الصين الجنوبي وخليج تايلند (SCS SAP)، الذي يقوده برنامج الأمم المتحدة للبيئة  ويموله مرفق البيئة العالمية (GEF)، بين كمبوديا والصين وإندونيسيا والفلبين وتايلند وفييت نام بهدف إعادة اصلاح النظم الإيكولوجية الساحلية الأساسية وإدارتها على نحو مستدام.

ويدعم البرنامج إعلان  57,400 هكتار من غابات المانغروف مناطق محمية، وإعداد خطط لإدارة 166,600  هكتار إضافية، وتنفيذ إصلاحات للاستخدام المستدام تغطي  602,800 هكتار، إلى جانب تنفيذ برامج واسعة النطاق لاعادة اصلاح غابات المانغروف وزراعة الأشجار لتعزيزها.

كما يعمل البرنامج بالتوازي مع جهود اعادة اصلاح الشعاب المرجانية، ومروج الأعشاب البحرية، والأراضي الرطبة، انطلاقًا من أن صحة النظم الإيكولوجية الساحلية تعتمد على ترابط هذه الموائل الطبيعية.

تعافٍ يستحق الحماية

يُظهر التعافي العالمي لغابات المانغروف أن جهود الحفظ القائمة على العلم، بقيادة المجتمعات المحلية، تحقق نتائج ملموسة. غير أن استمرار هذا التقدم يعتمد على الاستثمار المستدام، والإدارة الرشيدة، والحماية طويلة الأجل.

وتبرهن التجارب في كينيا وكوستاريكا وبنن وفييت نام على أن الجمع بين العلم، وإشراك المجتمعات المحلية، وآليات التمويل المبتكرة، والتعاون الدولي، يمكن أن يسهم في إعادة اصلاح أحد أكثر النظم الإيكولوجية الساحلية قيمة في العالم.

ويُحتفل باليوم الدولي لصون النظام الإيكولوجي لغابات في 26 تموز/يوليو من كل عام، بهدف زيادة الوعي بأهمية غابات المانغروف بوصفها "نظامًا إيكولوجيًا فريدًا ومميزًا وهشًا"، وتعزيز الحلول التي تكفل إدارتها وصونها واستخدامها على نحو مستدام.