Credit: AFP/Simon Maina
15 Aug 2025 Story المواد الكيميائية والنفايات

مناصرون يأملون بأن يسهم الحظر الجديد في تراجع سوق مستحضرات تفتيح البشرة السامة.

Credit: AFP/Simon Maina

عندما أتمّ أصغر أبناء إيا كاندي شهرين من العمر، بدأت باستخدام صابون لتفتيح البشرة على وجهه وجسده.
تعيش كاندي، التي تغيّر اسمها الأخير لحماية هويتها، في شمال نيجيريا. كانت تأمل بأن يساعد لون بشرة طفلها الفاتح في كسب ود جدته، التي كانت مثل معظم سكان المنطقة تربط بين البشرة الفاتحة والجمال.

لكن خلال أسابيع، بدأت بشرة الطفل تتقرّح وتظهر عليها علامات الطفح الجلدي. ولم تدرك كاندي سبب ذلك إلا بعد أشهر، حين اكتشفت أن الصابون يحتوي على مادة الزئبق.

تقول كاندي، التي استخدمت الصابون أيضًا على خمسة من أطفالها الآخرين: "لو كنت أعلم مدى خطورته، لما اشتريته أبدًا".

كانت واحدة من مئات الملايين حول العالم، وفق بعض الدراسات، ممن استخدموا أو يستخدمون مستحضرات تجميل تحتوي على الزئبق. قد تساعد هذه المنتجات، المتوفرة على نطاق واسع وبسهولة دون الحاجة إلى وصفة طبية، في تفتيح لون البشرة لكن قد ينجم عنها مجموعة من المشكلات الصحية، بدءاً من الطفح الجلدي وصولاً إلى فشل الكلى.

يعزى الإقبال الكبير على مستحضرات التجميل القائمة على الزئبق إلى تبنّي معايير جمالية –الكثير منها إرث من الحقبة الاستعمارية– تُقدّر البشرة الفاتحة، وفقاً لبعض المحللين. ومع ذلك، هناك بعض التفاؤل الحذر بأن الأمور بدأت تتغير، مشيرين إلى زيادة المبادرات الشعبية للحد من ما يُعرف بـ"التمييز على أساس اللون"، والحظر العالمي الحديث على مستحضرات التجميل التي تحتوي على الزئبق. 

تقول مونيكا ستانكيفيتش، الأمينة التنفيذية لاتفاقية ميناماتا، وهي اتفاقية دولية تهدف إلى حماية الناس والبيئة من الزئبق: 
"أدت إضافة الزئبق إلى مستحضرات التجميل إلى أزمة صحية عامة –غالبًا ما يتم التغاضي عنها. لكن هناك رغبة متزايدة للحد من هذه المنتجات، وهو أمر بالغ الأهمية لحماية صحة ورفاهية ملايين الأشخاص حول العالم."

صناعة مزدهرة 
تمثل مستحضرات تفتيح البشرة أحد أسرع القطاعات ازدهاراً في صناعة التجميل. في عام 2023، بلغ حجم هذا القطاع 9 مليارات دولار أميركي، ومن المتوقع أن يصل إلى 16 مليار دولار بحلول 2032، وفقًا لشركة "فورتشن بيزنس إنسايتس" (Fortune Business Insights)

ينتشر الصابون والكريمات المخصصة لتفتيح البشرة بشكل خاص في أفريقيا وآسيا ومنطقة البحر الكاريبي، وغالبًا ما تحتوي على مجموعة من المواد الكيميائية الضارة، بما في ذلك الستيرويدات، والهيدروكينون (المشتبه بكونه مادة مسرطنة)، والزئبق.

يُستخدم الزئبق بشكل واسع لأنه يحد من إنتاج الميلانين، الصبغة التي تحدد لون البشرة. لكنه قد يسبب أيضًا تغير اللون وظهور ندوب، مع تقليل مقاومة الجلد للعدوى، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. ويمكن أن يؤدي الزئبق عند مستويات مرتفعة، إلى تلف الكبد والكلى، ومشاكل عصبية، والاكتئاب، وتأخر النمو لدى الأطفال.

شهدت زينب بشير ياو بنفسها مدى الضرر الذي يسببه الزئبق. فهي خبيرة تجميل طبية ومؤسسة "درما آر إكس" (DermaRx Aesthetics and Dermatology) في أبوجا، عاصمة نيجيريا. عالجت زينب عشرات الأشخاص الذين يعانون من تأثيرات مستحضرات تفتيح البشرة. يعاني عدد كبير من مرضاها من الطفح الجلدي والحروق، وبعضهم مصابون بحالة تُعرف باسم "التقرح الخارجي" (exogenous ochronosis)، التي تُحوّل لون الجلد إلى الأسود المزرق. وتشير إلى أن هذه المشكلات قد تكون مجرد "غيض من فيض"؛ حيث يعاني العديد من المرضى أيضًا من أضرار دائمة في الأعضاء الداخلية.

تقول ياو: "أشعر بالحزن الشديد، لأن الكثير من الناس يستخدمون هذه المنتجات دون معرفة مدى الضرر الذي تسببه".

A shopkeeper surrounded by bottles.
تتوفر كريمات تفتيح البشرة على نطاق واسع دون الحاجة إلى وصفة طبية في أنحاء أفريقيا، حيث تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى استخدام أكثر من ربع السكان هذه المنتجات.
مصدر الصورة: "وكالة فرانس برس" / سيمون مينا 

تقود ياو حملة للتوعية بمخاطر مستحضرات تفتيح البشرة. وقد أظهرت أبحاثها استخدام 80% من النيجيريين هذه المنتجات. وتُشير إلى أن بعض النساء الحوامل بدأن حتى بتلقي حقن الزئبق في محاولة لتغيير لون بشرة أطفالهن قبل الولادة.

وتضيف ياو أن الرغبة في الحصول على بشرة فاتحة تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية: "لقد ألحقت المرحلة الاستعمارية أضرارًا كبيرة بعقلياتنا، خصوصًا في غرب أفريقيا. فالناس عمومًا لا يشعرون بالثقة في لون بشرتهم."

حظر جديد، أمل جديد
في إطار تنظيم استخدام الزئبق، صادق أكثر من 150 دولة طرفًا على اتفاقية ميناماتا، وهي اتفاقية دولية تستضيف أمانتها برنامج الأمم المتحدة للبيئة. وقد سُمّيت المعاهدة على اسم خليج ميناماتا في اليابان، حيث أودى التلوث بالزئبق إلى بحياة مئات الأشخاص وإصابة ملايين آخرين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

في أبريل/نيسان، حظرت الاتفاقية استخدام الزئبق في مستحضرات التجميل. وقد رحبت 13 دولة أفريقية بهذا الإجراء وتعهدت بالعمل معًا للحد من بيع هذه المنتجات. ومع ذلك، لا يزال تنفيذ الاتفاقية في أفريقيا وأماكن أخرى عملًا جارياً. 

تُشير ستانكيفيتش إلى افتقار بعض الدول إلى تشريعات وطنية تُكرّس الحظر الذي نصت عليه اتفاقية ميناماتا. وحتى في البلدان التي لديها قوانين مكتوبة، يشكل تطبيقها تحديًا، إذ تُصنّع العديد من مستحضرات التجميل المحتوية على الزئبق سرًا وتُباع عبر الإنترنت.

يقود برنامج الأمم المتحدة للبيئة مشروعًا تجريبيًا لمساعدة ثلاث دول – الغابون، جامايكا وسريلانكا –على تجاوز هذه العقبات. حيث تعمل فرق مختصة على تقديم المشورة للحكومات بشأن التشريعات اللازمة للتخلص التدريجي من مستحضرات التجميل التي تحتوي على الزئبق. كما تدعم أجهزة مراقبة الحدود في الكشف عن منتجات تفتيح البشرة السامة، وتنفذ حملات توعية عامة لتشجيع الناس على تقبّل لون بشرتهم الطبيعي.

وقد انضم عدد من المشاهير إلى هذه الجهود، من بينهم دافيلا تشيي أغانغا، ملكة جمال "إيبوني الغابون". تقول أغانغا، وهي طالبة في كلية الطب:"أود أن أقول للجميع، وخاصة الشباب، أن يتقبلوا أنفسهم كما هم. البشرة السوداء ليست شذوذًا ولا مرضًا. إنها تعكس تاريخنا ومن نكون حقًا."

استفادت إيا كاندي من مثل هذه الحملة. فبعد حضورها ورشة عمل قادتها ياو في ولاية كانو شمال نيجيريا، أدركت أن صابون تفتيح البشرة هو السبب وراء الطفح الجلدي والتقرحات التي ظهرت على أطفالها.

واليوم، لم يعد الصابون الذي كانت تستخدمه متوفرًا، وهو إنجاز يُنسب إلى الحظر الذي فرضته اتفاقية ميناماتا. لكن العديد من منتجات تفتيح البشرة الممزوجة بالزئبق لا تزال مستخدمة على نطاق واسع في كانو.

كاندي، التي أنجبت طفلًا جديدًا مؤخرًا، تأمل أن يتغير هذا الوضع، وتقول: "أود أن أنصح الأهل بأن يتعلموا من تجربتي وألا يستخدموا مثل هذه المنتجات على أطفالهم."

 

في 16 آب/أغسطس 2017، اعتمدت الدول اتفاقية ميناماتا بشأن الزئبق. واليوم، يعمل أكثر من 150 بلدًا معًا للحد من تلوث الزئبق. وفي تشرين الثاني/نوفمبر من هذا العام، ستُعقد الدورة السادسة لمؤتمر الأطراف، والتي ستتناول التحديات التي تواجهها الدول في تنفيذ الاتفاقية، مثل الرقابة التجارية، إدارة النفايات، واستخدام الزئبق في مستحضرات التجميل وحشوات الأسنان وتعدين الذهب الحرفي والصغير والعمليات الصناعية

ولمواجهة تأثيرات الزئبق الضارة، أطلق برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2021 مشروعًا بعنوان "القضاء على منتجات تفتيح البشرة التي تحتوي على الزئبق". يُموَّل المشروع من مرفق البيئة العالمية، ويُنفَّذ بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية ومعهد أبحاث التنوع البيولوجي، حيث يهدف إلى مساعدة الحكومات على الحد من استخدام مستحضرات التجميل الممزوجة بالزئبق في ثلاث دول رائدة. ومن المقرر أن يبدأ عمل مماثل في 13 دولة أخرى بحلول عام 2026.