Credit: Miranda Grant / UNEP
16 Oct 2025 Story Climate Action

مواجهة هدر الطعام تتمحور حول "خلق الجمال من خلال الاحترام" بالنسبة إلى الشيف ماسيمو بوتورا

Credit: Miranda Grant / UNEP

لا تنتهي قصة هدر الطعام عند سلة المهملات وحسب، بل تشكّل نقطة بداية لأزمة المناخ والتحديات الاقتصادية وللأطباق الفارغة لدى مئات الملايين. وقد شهدت السنوات الأخيرة هدر 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين وفقًا لتقرير مؤشر هدر الطعام لعام 2024، ممّا تسبّب في انبعاثات تعادل خمسة أضعاف إجمالي الانبعاثات التي يتسبّب بها قطاع الطيران، يأتي ذلك في وقتٍ يواجه فيه ثلث سكان العالم انعدام الأمن الغذائي.

ومع أن فقد الأغذية وهدرها يمثلان مسألة عامة عالمية، فإنهما يشكلان أيضاً مجالاً يمكن فيه للأفراد والأسر والمجتمعات اتّخاذ إجراءات فورية وبطرق إبداعية تحتفي بالثقافة والتقاليد.

يُعدّ ماسيمو بوتورا، الشيف العالمي وسفير النوايا الحسنة لدى برنامج الأمم المتحدة للبيئة، من أبرز المناصرين لمكافحة فقد الأغذية وهدرها. وتُدير مبادرته "الغذاء من أجل الروح"  (Food for Soul)مطابخ مجتمعية تُعرف باسم "ريفيتوريوس" (Refettorios) ، تتواجد الآن في تسع دول وتعتمد في إعداد وجباتها على الفائض من الطعام.

يشارك بوتورا رؤيته بأن مواجهة هدر الطعام ليست مجرد مسؤولية بيئية، بل هي أيضًا فعلٌ يُجسّد الذاكرة والجمال.

لماذا ينبغي أن نقلق بشأن هدر الطعام؟
إنّ أكبر نسبة من هدر الطعام تحدث بشكل غير مقصود في مطابخ المنازل حول العالم. فعندما نرمي الطعام، فإننا نهدر الموارد ونهدر الفرص ونهدر الكرامة في آنٍ واحد. إن الحد من هدر الطعام يمثل فوزًا للكوكب، إذ يمكن أن يخفّض ما يصل إلى 10% من الانبعاثات العالمية، وهو أيضًا بمثابة فوز للناس من خلال تحويل فائض الطعام إلى مليارات الوجبات يوميًا لمحاربة الجوع، وفوز للاقتصاد بتوفير ما يقارب تريليون دولار أميركي سنويًا. إن مكافحة هدر الطعام هو من أبسط وأقوى الإجراءات التي يمكن أن يتخذها الأفراد من أجل مستقبل أفضل للجميع.

Chefs at Bottura’s Refettorio community kitchen in Harlem, New York. 
طهاة في المطبخ المجتمعي "ريفيتوريوس" التابع لماسيمو بوتورا في هارلم، نيويورك.
مصدر الصورة: ميراندا غرانت، برنامج الأمم المتحدة للبيئة  

الذكريات تُشكّل الذوق. كيف يمكن للتقاليد العائلية ونكهات الطفولة أن تساهم في مكافحة هدر الطعام؟
الذاكرة هي أساس الذوق، والذوق هو أساس الثقافة. وغالبًا ما أقول إن أمي كانت أول معلّمة لي في المطبخ. فقد كانت تحترم كل فتات من الطعام. كان الخبز المتبقّي يتحول إلى "باساتيلّي" (passatelli)في المرق، وبقايا الخضروات تصبح حساء "مينستروني" (minestrone)، ولم يكن شيء يُرمى. هذه التقاليد ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل هي دروس في مجال الاستدامة. عندما نطبخ ونحن نستحضر الذاكرة، نتذكر أن كل مكوّن يحمل تاريخًا وجهدًا ومحبة. إن إحياء تلك النكهات يعلّمنا أن لا ننظر إلى الطعام ليس كسلعة يمكن التخلص منها، بل كقصة يجب أن نُواصل روايتها.

هذا هو جوهر عملي مع مبادرة “الغذاء من أجل الروح” (Food for Soul)، حيث نحوّل فائض الطعام إلى وجبات تُعيد الكرامة وتُغذّي المجتمع. وهو نفسه الروح التي تقف وراء مبادرة برنامج الأمم المتحدة للبيئة "التحول في مجال هدر الطعام"، التي أفتخر بدعمها بصفتي سفيراً للنوايا الحسنة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة ومدافعاً عن أهداف التنمية المستدامة.  مذكراً العالم بأن التقليل من هدر الطعام ليس مسألة جانبية، بل هو عنصر أساسي لمواجهة تغيّر المناخ والجوع وعدم المساواة.

كيف يمكن للطهاة تحويل الأطعمة المُهمَلة إلى طبق استثنائي؟

لدى الطهاة القدرة على تحويل ما يُعتبَر "طعاماً مُهملاً" إلى طبق استثنائي، حيث يُغيّرون مفهوم الناس إلى الطعام. ما كان يُرى يومًا كمخلفات، يصبح ثقافةً تُقدَّم في طبق. وُلدت بعض أشهر الوصفات في العالم في مطابخ اضطرت إلى الاكتفاء بما هو متوفر في المطبخ– مكوّنات بسيطة، موسمية ومحلية. تُعتبر بعض الأطباق مثل "الريبوليتا" (Ribollita) و"الباييّا" (paella) و"الفيجوادا" (feijoada) أمثالاً بارزاً على القدرة على الاختراع والابتكار . حيث تُحوّل خوخة متضررة إلى غرانيتا، وقمم الجزر إلى بيستو، والخبز البائت إلى كعكة.  

A meal designed from surplus food. 
وجبة مُحضّرة من فائض الطعام.مصدر الصورة: ميراندا غرانت، برنامج الأمم المتحدة للبيئة  

هذا ما نمارسه يوميًا في مطابخ "ريفيتوريوس": حيث  نحوّل الفائض من الطعام المُقرّر رميه في مكب النفايات إلى وجبات لذيذة تفيض بالكرامة والجمال. وبصفتي سفيرًا للنوايا الحسنة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، أعتبر أنّه من واجبي إلهام الآخرين للاعتراف بأن مستقبل فن الطهي لا يقوم على الإفراط، بل على خلق الجمال من خلال احترام الطعام.

 لقد عملت على مشاريع من مودينا إلى ريو. في أماكن مثل البرازيل، يُعدّ الطهي المبتكر جزءًا من الثقافة. ما الدروس التي يمكن أن يتعلمها العالم من هذا النهج؟

علّمتني البرازيل المرونة والصمود في المطبخ.  ففي فافيلاس ريو، رأيت عائلات تُحضّر أطباقاً كثيرة بمكوّنات قليلة، ما يفشل كثيرون منّا في تحضيره بمكوّنات وفيرة. تُجفّف قشور الكسافا وتُقلى، كما تُستخدم عظام السمك لتُنكّه الشوربات، وتتحوّل قشور الموز إلى حلويات. هذا ليس طهيًا للفقراء، بل هو فن طهي مبتكر وذكي.

إن الهدر ليس أمرًا حتميًا، بل هو نتيجة الامتياز والانفصال عن الطبيعة. وتُذكرنا المجتمعات ذات الموارد المحدودة بأن الوفرة الحقيقية ليست في الإمداد اللامحدود، بل في الإبداع، والتضامن، وتحويل كل مكوّن إلى وجبة جماعية.

كيف يمكن للطهاة بوصفهم مؤثرين، أن يطلقوا حركة إعادة تقاليد الطهي الخالية من الهدر؟

يحمل الطهاة اليوم تأثيرًا ثقافيًا هائلًا. إذا استخدمنا الطهي فقط لأغراض الفخامة، فإننا نفقد بذلك الهدف الأساسي. إن التقاليد الخالية من الهدر مثل التخمر، والتخمير، والتجفيف ليست مجرد تقنيات، بل هي أيضًا أفعال للحفظ والحكمة المتوارثة من جيل إلى جيل. فمن خلال وضعها مرة أخرى على مائدة الطعام، نذكّر الناس بأنها ليست قديمة الطراز؛ بل هي المستقبل. في “أوستيريا فرانشيسكانا” (Osteria Francescana)، إذا كنت أحتفل بقشور البطاطس أو قشور الخبز على طبق حائز على نجمة ميشلان، فإنني أعيد الكرامة لما كان يراه الكثيرون غير قابل للاستخدام. وفي مطاعم ريفيتوريوس، نفعل الشيء نفسه للمجتمعات المحتاجة، مما يثبت أن بقايا الطعام يمكن أن تغذي الجسم والروح على حد سواء. تثير هذه الرؤية الفضول، ثم التقليد، ثم التغيير النظامي.

لماذا أصبحتَ سفيراً للنوايا الحسنة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة؟

أتحمّل هذا الدور لأن مسؤولية الطهاة تتجاوز حدود الطهي. فالغذاء هو ثقافة وذاكرة ورعاية. ومن خلال مبادرة الغذاء من أجل الروح، رأيت كيف يمكن للطعام الفائض أن يُعيد الكرامة للناس. وأصبح كوني سفيراً للنوايا الحسنة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ولاحقًا مدافعًا عن أهداف التنمية المستدامة، وسيلةً لأحمل هذه الرسالة إلى العالم:
الطعام ليس مجرد طعام بل إنه مستقبلنا المشترك.

تم تمويل تقرير مؤشر فقد وهدر الغذاء لعام 2024 جزئياً من صندوق المناخ التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، بدعم من بلجيكا والنرويج.
نُشر هذا المقال بمناسبة يوم الأغذية العالمي، الذي يدعو في عام 2025 إلى تعاون عالمي من أجل بناء مستقبل يسوده السلام والاستدامة والازدهار والأمن الغذائي.

الحل القطاعي لأزمة المناخ 

يتقدّم برنامج الأمم المتحدة للبيئة لدعم هدف اتفاق باريس في الحفاظ على درجات الحرارة العالمية عند مستويات تقل عن 2 درجة مئوية، والسعي نحو وصولها إلى 1.5  درجة مئوية، مقارنةً بمستويات ما قبل الثورة الصناعية. لتحقيق ذلك، طور برنامج الأمم المتحدة للبيئة الحلول القطاعية، وهي خطة عمل تهدف إلى تقليل الانبعاثات عبر القطاعات بما يتماشى مع التزامات اتفاق باريس وفي السعي نحو استقرار المناخ. والقطاعات الرئيسية المحددة هي: الطاقة؛ الصناعة؛ الزراعة والغذاء؛ الغابات واستخدام الأراضي؛ النقل؛ والمباني والمدن.